اثنتا عشرة وقفة في هذا الظرف الكورونائي (كورونا)

903
بسم الله الرحمن الرحیم

اثنتا عشرة وقفة في هذا الظرف الكورونائي (كورونا)
١- حسب (علم الوجود (ontology)الإسلامي) والإيمان ‏والعقيدة ‏ الإسلامية: لم يخلق الله شيئاً عبثاً، ‏لا في الأرض وحياة ‏الإنسان فحسب، ‏بل ‏في الكون ‏المترامي أجمع، وبناءاً عليه: فالوباء الواقع ‏في الوقت الحاضر ‏لايخلو من حكمة ‏،فينبغي أن ‏يكون لنا تجاهه ‏وقفة مُمْعِنَة، ‏كي نستمد منه ‏دروساً وعبراً، ‏لأن الله خلق كل شيء بميزان و قدر، ‏قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر -٤۹-.
وإدراك هذه الحقيقة، يعدُّ بحدِّ ذاته، مكسباً ‏معنوياً عظيماً ‏في هذا الواقع الذي فرضه وباء (كورونا).
‏إذْ معرفة هذه الحقيقة، مفتاح لأبواب ‏العديد من الحقائق، ‏لذا جعلناها في المقدمة.
‏٢ ‏- إن المصائب والمحن ليست إلا نتيجة حتميةً ‏لخطايا الإنسان وانحرافاته، ‏هذه الحقيقة فضلاً ‏عن كونها مسلَّمة ‏من المسلمات العقلية ‏والتجريبية، ‏فهي سنة من سنن الله ‏تعالى، ‏قال تعالى:
أ‌-        (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) شوری -۳۰-.
ب- (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم -٤۱-.
‏ومن المعلوم أن هذا الوباء قد انتقل ‏إلى الإنسان من الأحياء ‏القذرة كالكلاب ‏والقطط وبعض ‏الزواحف و‏اللواسع والحشرات ‏التي يعافُها الطبعُ ‏السليم ويتقزّزُ منها.
‏ومن هنا تتبين حكمة الله تعالى ‏في وصفه النبي محمد “صلى الله عليه وسلم” بكونه مُحِلاَّ للطيبات ومُحرِّماً للخبائث،
  ‏إذ يقول: (…وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ…) الأعراف -۱٥۷-.
3- توهج الحقيقة الراسخة، القائلة بلسان الحال: إن للكون خالقاً مدبراً، و‏ليس للإنسان أن يتصرف كما يشاء، وقد استخلفه الله في الأرض وكرمه واختاره لحمل أمانته، ليكون عبداً لله، لا متصرفاً دون حساب، وفي هذا الظرف: نراه عاجزاً أمام مخلوق صغيرٍ غير مرئي بالعين المجردة وهو فايروس: (كوفيد-١٩)، ليس لديه إلا الإختباء وإغلاق حدود الدول وبوابات المدن، وحتى أبواب البيوت والمنازل!
وعليه: لابد للإنسانية عموماً، والقوى العظمى وذوي السلطان على وجه الخصوص، أن يراجعوا ماهم عليه و يعوا حقيقة الأمر، ‏ويعودوا إلى رشدهم، ويتخلَّوا عن غرورهم الزائف الناجم عن السلطة السياسية والإقتصادية والعسكرية والتكنولوجية البعيدة كل البعد عن الله تعالى، والخالية من الإيمان والقيم العليا، والذي مِنْ جَرّائه نغَّصوا حياة البشر خصوصاً الفقراء، جالبين الويلات والمصائب عليهم.
٤- إستفاقة عقول معطلة ونائمة، وتنقية قلوب صادئة، وانتعاش نفوس ميتة، بعد إدراك حقائق مُفْزِعة، منها: موت عشرات الآلاف، والإنهيارات الإقتصادية الجسيمة، التي لم يحدث مثلها في التأريخ المعاصر، ولم تنته بعد.
فعلى سبيل المثال: صرح دونالد ترمب في: (28/3/2020) قائلاً: أن الميزانية التي نخصصها الآن لمواجهة وباء (كورونا) والتي من المحتمل أن تبلغ ستة تريليونان دولار، هي الأكبر في تأريخ الولايات المتحدة الأمريكية.
٥- تنقية الأجواء والبيئة إلى حدٍ ما، على مستوى الأغلفة الثلاثة: (الهواء، والماء، والأرض) التي أصبحت ملوّثة بفعل البشر، مما أدى إلى تدمير حياة الأحياء البحرية، وهو إفساد في الأرض ومخالف لأمر الله القائل: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) الأعراف -85,56-.
ولاشكَ أنّ السبب الرئيس للتلوث البيئي “والذي أَحَدُ إفرازاته هو تدهور التوازن البيئي المتمثل في انثقاب طبقة (أوزون) بالغلاف الجوي، وذوبان الكتل الجليدية في القطب الشمالي وارتفاع درجات الحرارة، ومن ثَُمَّ الإحتباس الحراري” هو الدخان المتصاعد من مصانع الأسلحة الثقيلة، التي تستهدف إبادة البشر، خصوصاً الشعوب والمجتمعات المضطهدة، كالشعب الكوردي والفلسطيني في أيامنا هذه.
٦- تَلَئْلوءُ تعاليم الإسلام أكثر فأكثر في مجال الصحة وسلامة الإنسان، والتعرُّف على النبي محمد “صلى الله عليه وسلم” ومنهاجهِ وأقوالهِ المباركةْ في هذا المجال، والتي تخطت حجابَ الزمانِ والمكان دون أن يطرأ عليها التقادم، وكأنهُ “صلى الله عليه وسلم” قالها لزماننا هذا.
وهذا هو شأن نبي مرسل لجميع البشر.
٧- الإنتباه إلى تقدير بيوت الله، والتي تظلُّ أبوابها على مصاريعها طِوال الليل والنهار لاستقبال ضيوف الرحمـن الرحيـــم، كي تطمئنَ قلوبهم، وتتزكّى نفوسهم، وتَتَنقَّى حياتهم بأنوار العبودية.
إذن: لينتظر ضيوف بيوت الله حيناً، كي يزداد إشتياقهم إلى أنوار المساجد، ويعوا هدف توجُّههم إلى تلك الأماكن المباركة، وأسباب تردُّدهم عليها.
8- تقدير أئمة المساجد والخطباء لنعم الله، اذ أن الناس يجتمعون إليهم، وهم يؤُمّونهم، ويلقون عليهم الخطب والمواعظ، أما الآن فهم محرومون منها، فليشكروا الله على آلائه، وينبغي، أن يلاحظوا مدى استحقاقهم لارتقاء منبر رسول الله “صلى الله عليه وسلم” والوقوف في محرابه من حيث:
أ-  مدى علمهم برسالة النبي “صلى الله عليه وسلم” ومنهاجه ومطابقة رؤيتهم وإيمانهم وعقيدتهم وعبادتهم وتزكيتهم، لما كان عند رسول الله “صلى الله عليه وسلم”.
ب- ومدى اتباعهم للرسول “صلى الله عليه وسلم” في مجال الأخلاق، وأسلوب الكلام والتعبير والحديث للناس والتعامل معهم.
وليعلم الجميع أن من ادعى والصلاح وأبدى من نفسه الخير أمام أعين الناس، وأظهر ما يجلب به إعجاب الناس، في حين أنه يبطن خلاف ذلك، يفضحه الله عاجلاً أم آجلاً، ويكشف الله ستره للناس، وما أكثر هذه الحالات، لكن قلَّ من يعتبر!، لذا أقول وبإخلاص: من أراد نيابة النبي “صلى الله عليه وسلم”، عليه أن يراجع نفسه على الدوام ويزكيها مما يخدشها.
والعلماء الأجلاء من أحب الناس إلي، لكن لا تخلو طبقة من الصّالح وغير الصّالح، وقد يثير شخص واحد غير جدير، بسبب تصرّف مٌُعْوجِّ، أو موقف مَشين، أو كلمة نابية:
علاماتِ استفهامٍ حول مجموعةٍ جديرةٍ بالإحترام والتقدير!
9- مراجعة الحكام ذواتهم في معاملة المواطنين وما تحت أيديهم من أموال الشعب، والإنتباه إلى هذه الأمور الخمسة:
الأول: معرفة حقيقة أن عليهم مسؤولية سلامة المواطنين وإسعاد المجتمع في كافة الجوانب.
الثاني: أن ثروات البلد ملك للمواطنين دون تمييز، فلا يتصرفوا فيما كأنها تخصُّهم ومَنْ حولهم، وكأنهم يتصدَّقون منها على الشعب.
الثالث: كما يحبون أن يطيعهم الناس ولا يعصوهم، فليطيعوا هم أيضاً أوامر الله، ويسلكوا الصراط المستقيم المؤدي الى العدل، ويتجنبوا الظلم والإحتكار والفساد.
الرابع: لا شك أن العدل أساس الملك ومصدره، به تستقر الأمور، وتنزل البركات والعكس بالعكس، ومن سنن الله: أن الحضارات والمجتمعات تنهار بالظلم، قال تعالى: (…وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) القصص -٥۹-.
ونعني بالظلم كافة أنواعه: الظلم القومي، أو الإقتصادي، أو السياسي، أو الإجتماعي.
وإن الثروة كلما كانت في أيدٍ أمينة، كلما كانت مباركة ،والقليل في الأيادي الأمينة كثير، كما أن الكثير في الأيادي الخائنة قليل.
الخامس: يتعين على المسؤلين الأثرياء “وما أكثرهم”، أن يخصصوا مبالغ من أموالهم المكتسبة من هذا الوطن، والنّابعة منه، بِغَضِّ النظر عن مصدرها، لمساعدة الفقراء والمحتاجين من بني جلدتهم، الذين يقتاتون على كسب عملهم اليومي، فمن الظلم أن يحجروا في بيوتهم ولا يجدوا ما يسد رمقهم وأهليهم!
وعدم ذكري للأغنياء الآخرين، هو أنهم لم يألوا جهداً في الإنفاق على الفقراء، فهم جديرون بالتقدير.
10- إن هذا الوضع بمثابة فرصة ذهبية لجميع طبقات مجتمعنا، وأخص بالذكر المعلمين والطلبة في جميع المستويات: الأساسية والإعدادية والمعاهد والجامعات والدراسات العليا، أن ينشغلوا بالمطالعة وقراءة الكتب والبحث والتفكيروالإستزادة من العلوم، سواء في مجال دراستهم وتخصصهم، أو في المجالات الأخرى عموماً، وذلك لأن للمستوى الفكري والثقافي وأفق العقل وسعة الإطلاع للفرد والمجتمع، تأثيراً كبيراً على الحياة والنمو الشخصي والنضوج العقلي والنهوض الحضاري، نحن أمةَّ الإسلام لا تنقصنا الكمية، أما من حيث الكيفية، نعاني من مشاكل لا يستهان بها، فأين تأثير أمة يبلغ تعدادها ملياراً ونصف المليار؟ أين قواهم؟ وماهو نتاجهم الفكري؟ ولا شكّ أن الجهل والتخلّف من أهم أسباب ما هم فيه، في حين أن أول كلمة في أول سورة من آخر رسالة الله إلى هذه الأمة، هي: (إقرأ) العلق-1-!!.
11- هناك فرصة سانحة للتماسك الأسري ومراجعة الأسر لعلاقاتها فيما بينها: الأباء، الأمهات، والأبناء والبنات، والأحفاد، من حيث تقويتها وتعميق أواصر المحبة والإحترام، كل تجاه الآخر، ومعلوم أن هذه الأمور هي أساس الأسرة السَّليمة المتماسكة السَّعيدة.
12- تقدير نعم الله، وشكره عليها، خصوصاً على الصحة والعافية، والحريات، والأسفار والزيارات، وما أجمل ما قيل: (الصحة تاج على رؤس الأصحاء، لكن لا يراه إلا المرضى)، وهو ميزان ينطبق على جميع النعم، وقيل قديماً: (وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر).
أيها السادة!
هذه كانت وقفات ضرورية إرتأيت أنها لابد منها في هذا الظرف الحادث من جرّاء فايروس (كورونا)، وبهذا يتخذ هذا الوباء مصدراً لمنافع معنوية شتى، في مقابل الخسائر الجسدية والمادية.
ويبدو أن أمامنا أشواطاً للتعامل مع هذا الوباء، فلا يستعجلن أحد في التحلل من الإلتزامات الوقائية، وتعليمات الجهات المختصة والتي هي من مصلحة الجميع، وفي نفس الوقت يتعين على المسؤولين: الحيطة والحذر من التمييز في  التعامل مع المواطنين بدافع القرابة والإنتماء الحزبي……الخ.
علي باپـیـر
18/شعبان/1441 هـ
11/4/2020م
تعليقات
Loading...